ابن قيم الجوزية
304
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
بأثر الغناء وثمرته . فإنه ما اعتاده أحد إلا نافق قلبه وهو لا يشعر . ولو عرف حقيقة النفاق وغايته لأبصره في قلبه ، فإنه ما اجتمع في قلب عبد قط محبة الغناء ومحبة القرآن إلا طردت إحداهما الأخرى . وقد شاهدنا نحن وغيرنا ثقل القرآن على أهل الغناء وسماعه ، وتبرّمهم به ، وصياحهم بالقارىء إذا طول عليهم ، وعدم انتفاع قلوبهم بما يقرأه ، فلا تتحرك ولا تطرب ، ولا تهيج منها بواعث الطلب . فإذا جاء قرآن الشيطان فلا إله إلا اللّه . كيف تخشع منهم الأصوات ، وتهدأ الحركات ، وتسكن القلوب وتطمئن ، ويقع البكاء والوجد ، والحركة الظاهرة والباطنة ، والسماحة بالأثمان والثياب ، وطيب السهر ، وتمني طول الليل . فإن لم يكن هذا نفاقا فهو آخيّة النفاق وأساسه : تلي الكتاب فأطرقوا ، لا خيفة * لكنه إطراق ساه لاهي وأتى الغناء فكالذباب تراقصوا * واللّه ما رقصوا من اجل اللّه دفّ ، ومزمار ، ونغمة شاهد * فمتى شهدت عبادة بملاهي ؟ ثقل الكتاب عليهم لما رأوا * تقييده بأوامر ونواهي وعليهم خفّ الغنا لما رأوا * إطلاقه في اللهو دون مناهي يا فرقة ما ضرّ دين محمد * وجنى عليه وملّه إلّا هي سمعوا له رعدا وبرقا إذ حوى * زجرا وتخويفا بفعل مناهي ورأوه أعظم قاطع للنفس عن * شهواتها . يا ويحها المتناهي وأتى السماع موافقا أغراضها * فلأجل ذاك غدا عظيم الجاه أين المساعد للهوى من قاطع * أسبابه عند الجهول الساهي إن لم يكن خمر الجسوم فإنه * خمر العقول مماثل ومضاهي فانظر إلى النشوان عند شرابه * وانظر إلى النشوان عند تلاهي وانظر إلى تمزيق ذا أثوابه * من بعد تمزيق الفؤاد اللاهي فاحكم بأي الخمرتين أحق بال * تحريم والتأثيم عند اللّه وكيف يكون السماع الذي يسمعه العبد بطبعه وهواه ، أنفع له من الذي يسمعه باللّه وللّه وعن اللّه ؟ فإن زعموا أنهم يسمعون هذا السماع الغنائي الشعري كذلك . فهذا غاية اللبس على القوم . فإنه إنما يسمع باللّه وللّه وعن اللّه ما يحبه اللّه ويرضاه . ولهذا قلنا : إنه لا يتحرر الكلام في هذه المسألة إلا بعد معرفة صورة المسموع وحقيقته ومرتبته . فقد جعل اللّه لكل شيء قدرا . ولن يجعل اللّه من شربه ونصيبه وذوقه ووجده من سماع الآيات البينات ، كمن نصيبه وشربه وذوقه ووجده من سماع الغناء والأبيات . ومن أعجب العجائب : استدلال من استدل على أن هذا السماع من طريق القوم ، وأنه مباح : بكونه مستلذا طبعا ، تلذه النفوس ، وتستروح إليه ، وأن الطفل يسكن إلى الصوت الطيب ، والجمل يقاسي تعب السير ومشقة الحمولة ، فيهون عليه بالحداء ، وبأن الصوت الطيب نعمة من اللّه على صاحبه ، وزيادة في خلقه ، وبأن اللّه ذم الصوت الفظيع ، فقال إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ